الرئيسية / رأي حرّ / ما هي فحوص العار ؟
%d9%85%d8%a7-%d9%87%d9%8a-%d9%81%d8%ad%d9%88%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%b1-%d8%9f

ما هي فحوص العار ؟

القانون:
إذا كان المتهم أو المتضرر حرّا في لسانه كذبا أو صمتا فهل يعقل ألاّ يكون حرّا في جسده؟
الخضوع لاختبارات طبيّة اختياري ورفضها لا يعني بالضرورة الإدانة

باسم الكشف عن الحقيقة وجمع الأدلة يجد «الفحص الشرجي» و«فحص الكشف عن العذرية» مبررا لوجوده وتواصل العمل به من قبل المحاكم في تونس وسط صمت المكرهين من أصحاب هذه التجارب وتنديدات باهتة من طرف الحقوقيين.

اليوم وبعد إيقاف طالب مشتبه به في جريمة قتل وعرضه على الفحص الشرجي دون رضاه عاد النقاش إلى السطح بقوة حول سر استمرار ما اصطلح على تسميته بـ«فحوصات العار» في ظل تدعيم الحريات الشخصية والحرص على مزيد حماية الحرمة الجسدية.

ويرى البعض ان التصدي لهذا النوع من الفحوصات مرتبط بإحداث ثورة تشريعية وتحيين طرق البحث في الجرائم للتوصل إلى الحقيقة وتفعيل الرقابة داخل مراكز الأمن فيما يربط البعض الآخر استمرار هذه الظاهرة بالعقلية السائدة في المجتمع التونسي وأنه ربما لا يجب ان يكون للقضاء ولا للباحثين أي دخل في ذلك ومع ذلك تجبر بعض العائلات أبناءها وبناتها على الخضوع لهذه الفحوصات من أجل شهادة طبية تلجم الألسن الخبيثة وتقيها الفضائح غير عابئة بكم الحريات وكلام الحقوقيين الذي يبقى مجرد كلام متفرجين «والمتفرج دائما فارس».

«فحص لا يدوم إلا دقائق لكن اثره لا ينتهي». هكذا قيّم شاب فضّل عدم الإفصاح عن اسمه تم القبض عليه هو وصديقه بحالة سكر قائلا إنّه خضع وصديقه لـ«تشاك أب» (فحص كامل) بقرار أمني من إيقافهما من طرف دورية أمنية: فمن تحليل السوائل إلى تحاليل أخرى يجهلها وصولا الى الفحص الشرجي للحسم في وجود علاقة خاصة مع صديقه من عدمه رغم أن التهمة كانت في اعتقاده السياقة بحالة سكر لكن شكوك في ذهن الباحث أدت إلى القيام بهذا «الفحص المحرج». وأكّد محدثنا انه لن ينسى أبدا الكلام الذي سمعه ولا تفاصيل الفحص الذي تم دون رضاه والمهم بالنسبة إليه انه يحمل كل معاني الإهانة والتحقير وأنه بحث في اللامعنى ـ حسب ذكره ـ خاصة انه قد علم عن طريق محاميه أن الدول المتقدمة تخلّت عن الفحص الشرجي لأنه فضلا عن مسه بالكرامة البشرية لا يشكل وسيلة إثبات قطعية. وقد برزت أكثر مساوئ هذا الفحص مع قضية الطالب الذي ألقي عليه القبض بسوسة في شهر سبتمبر لاستجوابه بخصوص جريمة قتل بعد العثور على رقم هاتفه مسجلا في هاتف الضحية حيث كشفت محاميته انه اجبر على القيام بهذا الفحص ونتجت عن هذه القضية حملة «لوقتاش فحوصات العار» التي يتواصل العمل بها رغم اجماع المختصين على ضعف حجيتها الثبوتية.

حجية ضعيفة

اجمع الأطباء على ان هذه الفحوصات لا يمكن بحال من الأحوال ان تجزم بوقوع اللواط وذلك على اعتبار ان الاقرار بحدوث العلاقة المثلية يقتضي وجود سائل منوي في الفجوة الشرجية، بما يؤكد حصول عملية الادخال. لكن هذا الأمر يفترض أمورا ثلاثة، حصول عملية ادخال من دون واق ذكري وثانيا أن يكون الادخال قد حصل قبل 48 ساعة من اجراء الفحص وهي المدة التي تبقى خلالها خلايا الحيوان المنوي حية، وثالثا، استخدام أدوات من شأنها اكتشاف هذه الخلايا واستخراجها وهو أمر لا يحصل الا في حالات الاغتصاب وهذا يعني أن ايجاد دليل قاطع في حال الكشف في معرض الاشتباه باللواط الرضائي هو أمر مستعص.

في المقابل، لا يشكل شكل الشرج أبدا اثباتا حاسما على هذه العلاقات وذلك لاحتمال أن يكون ناتجا عن مسببات أخرى. ولا يمكن لكلّ مظاهر الشرج من اتساع واحمرار وندوب أنّ تمثل دليلا قطعيّا وهي تصبّ في خانة النفي أكثر منها في خانة التأكيد وعادة ما يسعى الأطباء إلى تعزيز فرضية المثلية أو دحضها بالاستفسار عن المسببات الأخرى التي من شأنها أن تعطي الشرج شكلا مشابها للشكل الذي قد ينتج عن العلاقات المثلية المتكررة. وهكذا، فان الطبيب يبحث عما اذا كانت هناك إعاقات خارجية من وقت الطفولة قد تؤثر على شكل الأعضاء. ويسأل الشخص الذي يخضع للفحص ما اذا كان يعاني من أمراض جنسية وبالتالي فالتقارير الطبية ـ بشهادة لجنة طبية من أعلى مستوى ـ في فحوص مماثلة لا تقدّم سوى خلاصات مبهمة وفي شكل تساؤلات أكثر مما هي أجوبة.

لذا فان الرافضين لهذه الفحوصات يعتبرونها لا تتلاءم مع أخلاقيات المهنة اذ انه من الثابت أن إجراء الفحص المذكور يشكل مخالفة للآداب الطبية الموثقة بالقانون والتي تلزم الطبيب، برفض استغلال مؤهلاته المهنية، للمساعدة أو الاشتراك أو القبول بأية معاملة غير إنسانية، ولو تحت التهديد.

كما أنه يشكل مخالفة لمبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بآداب مهنة الطب والتي تنص على أن استغلال الأطباء مهاراتهم على نحو يؤثر على صحة الشخص العقلية والجسدية مخالف لآداب المهنة وأن الأطباء الذين يقومون بهذه الفحوصات بصورة قسرية، انما يخرقون واجباتهم الأخلاقية تجاه الأشخاص الخاضعين للفحص. وكل شخص تعرّض لتعسف مماثل يجب أن يؤّمن له العلاج المناسب والحماية من أي تصرف تعسفي قد يتعرّض له في المستقبل.

فحوصات في منزلة التعذيب

اعتبرت منظمة هيومن رايتس «في تقريرها هذه الكشوفات الطبية» تشوّهات تجتاح خصوصية الجسم الانساني، تجري من دون موافقة الشخص المعني بالفحص في إطار السجن ـ وتشكل في حدّ ذاتها «تعذيبا». وأضاف تقرير المنظمة ان «كشف الطبيب الشرعي على شرج الرجل هو انتهاك مهين ـ وضرب من ضروب التعذيب وهناك مسؤولية على الدولة التي تمارسه وعلى الجسم الطبي…. كما انّه يؤثر على الصحة النفسية والعقلية للفرد موضوع الكشف». وهذا ما ذهبت اليه أيضا منظمة العفو الدولية، حيث اعتبرت أن الفحوصات الشرجية القسرية تخالف الحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة فضلا عن أنّها قاصرة عن اثبات العلاقات المثلية، وأنّها «في كل الأحوال تعسفية، مسيئة ومهينة بشكل عميق وهو نفس الأمر بالنسبة لفحص العذرية إذ يعتبر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، أنه شكل من أشكال التعذيب ويندرج تحت ضروب المعاملة اللاإنسانية أو المهينة وبمرجعية الاتفاقية الأممية الخاصة بذلك. وقد ورد في المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أنّه «لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر». ليبقى السؤال الهام والخطير حول هذا النوع من الفحوصات هو: ما مدى مسايرة ومواكبة المنظومة القضائية للتطور الاخلاقي والقيمي للمجتمع وللحريات؟

طرح أخلاقي لا علاقة له بالقانون

في تناوله لهذا الاشكال أفاد القاضي والاستاذ مراد قميزة الذي نزّل الموضوع في نطاق آخر السجالات على السّاحة الاعلاميّة حول وسائل الاثبات التي يلجأ اليها الباحث في بعض الجرائم التي تمس من الحرمة الجسديّة للفرد، ان ما يلاحظ في هذه السجالات أنّها ظلّت عامة وتنقصها الدّقة ويميّزها التّعصب لمبدإ أو لفكرة، بين رافض يحمل خلفيّة تحررية حداثية، ومؤيد يحمل خلفيّة دينيّة محافظة، وكلّ طرف يرى ان وجهة نظره تعكس القيم الاخلاقية التي يجب ان تسود في المجتمع وتنظّم معاملاته وكأنّه هو كلّ المجتمع أو أنّه القيّم عليه. وأضاف القاضي والأستاذ مراد قميزة ان الصراع من هذا المنطلق يظلّ اخلاقيّا بالأساس وأنّه لا علاقة له بالقانون ولا بأحكام القانون وأنّه ينطلق من مسألة اجرائيّة تتعلّق بقواعد الاثبات في المادّة الجزائيّة ليتحوّل الى جدل حول شرعيّة تجريم أفعال معيّنة من عدمه، وبالتالي شرعيّة النّص القانوني السابق الوضع والمطبّق في المحاكم بمختلف درجاتها. ويرى محدثنا أنّه لرفع هذا اللبس فإنّه من الجدير التفريق بين القاعدة القانونيّة والقاعدة الاخلاقيّة، مؤكدا أنّ القانونيّة وان كانت تستمد جذورها من الأخلاق تظل مختلفة عنها من حيث الغاية والجزاء، مشيرا إلى أن القانون يهدف إلى تحقيق غاية نفعية هي حفظ النظام والاستقرار بتنظيم سلوك الأفراد في المجتمع مراعيا في ذلك ما هو كائن بالفعل، ومتخذ من الشخص العادي نموذجا له، أما الأخلاق فهي تهدف إلى تحقيق غاية مثالية وهي الارتقاء بالسلوك الإنساني إلى المستوى النموذجي الذي ينبغي أن يكون عليه. ولاحظ محدثنا أنّه من حيث الجزاء فإن الجزاء القانوني جزاء مادي محسوس توقعه السلطة العامة، في حين أنّ الجزاء الأخلاقي معنوي يتمثل إما في تأنيب الضمير فيوقعه بذلك المرء على نفسه، وإما في سخط الجماعة واحتقارها للمخالف فتوقعه بذلك الجماعة على من يخرج على الناموس الذي وضعته لنفسها مبينا أنّه انطلاقا من هذا التفريق يتبيّن ان القانون وان انطلق عند سنّه من المثل الاخلاقيّة فإنّه انفصل عنها على مستوى التطبيق بعد ان اصبحت القاعدة الاخلاقية قاعدة قانونيّة تعالج ما هو كائن ومسلّم به على انّه امر مستهجن يستوجب الجزاء والعقاب وهي قاعدة ثابتة واجبة التّطبيق ما دام النّص قائما وساري المفعول لافتا إلى أنه ليس من دور القضاء الاجتهاد في شرعيته أو البتّ في مدى مسايرته للتطور الاخلاقي والقيمي للمجتمع وان ذلك موكول للمشرّع الذي يراعي عدة عوامل في تعديله أو إلغائه. ويضيف القاضي والأستاذ مراد قميزة قائلا: «لو ابتعدنا عن هذا السجال ونظرنا للموضوع من جانبه الاجرائي فإننا نجد ما يلي: أولا: الإثبات في المادة الجزائيّة حرّ ولا ترد عليه أيّة قيود كما هو الشّأن في المادة المدنيّة، فالنيابة العموميّة وأعوانها من الضابطة العدليّة وقضاة التحقيق وحتى المجالس القضائيّة عندما ترى فائدة في اجراء ابحاث تكميلية موكول لهم جمع كل القرائن والأدلة التي تصبّ في خانة البراءة أو في خانة الادانة من أجل الوصول الى الحقيقة الكاملة حتى تبنى الأحكام على اليقين وليس على التخمين.

واعتبارا للتقدّم العلمي المحرز في عديد المجالات ومنها الطبّ فإنّه لا يمكن استثناء الفحوصات الطّبية من ذلك وتظلّ من الوسائل النّاجعة للوصول الى الحقيقة وإماطة اللثام عن الغموض الذي يحيط ببعض القضايا تحقيقا للعدل ومنعا للأخطاء التي قد تكون نتيجتها سلب حرية انسان أو إفلات مجرم من العقاب. وأضاف محدثنا أن الفحوصات الطبّية معتمدة في مجالات عدة وليست مقصورة على الجرائم التي تمس من الاخلاق والآداب العامة وأنّ المتهم هو الوحيد المعني بها وأن المتضرّر هو الذي يخضع في أغلب الأحيان للفحوصات كما في حالات الاعتداء بالعنف الشديد وحالات المواقعة بالرضا بين سن 15 و20 وحالات المواقعة غصبا حيث يقع عرض المتضررة على الفحص الطبي لإثبات تعرضها لفعل جنسي سواء من خلال رفع بقايا منيّ أو من خلال معاينة افتضاض بكارة وتحديد تاريخ ذلك الافتضاض أو من خلال فحص شرجي للمتضرر في جرائم الاعتداء بفعل الفاحشة. وقال محدثنا إنّه يفترض منطقا في كل هذه الحالات أن يكون المتضرر قد خضع إراديا لهذا الفحص حرصا منه على إثبات الفعل المادي الذي تسلّط عليه ورغبة في تسليط العقاب الرادع على من اعتدى عليه، وان رفض فإنّه لا يمكن إجباره على إجراء الفحص ويبقى ملف القضيّة رهين ما توفّر فيه من قرائن وادلّة، وقد يؤول الى تبرئة المتهم بفعل ذلك الموقف السلبي من زاعم المضرّة.

وأحيانا يكون المتهم هو المعني بذلك الفحص كما في حالة رفع مني من الجهاز التناسلي للمتضررة أو على ملابسها أو من مكان الواقعة في قضايا المواقعة غصبا أو بالرضا أو على ملابس المتهمة أو فراشها في قضايا الزنا ونتيجة لرفع تلك العينة يطالب المتهم بالخضوع لتحليل جيني لمعرفة مدى مطابقة بصماته الجينية لبصمات تلك العيّنة غير انّه لا يجبر على ذلك فإن رضي تكون النتيجة حاسمة في فصل القضيّة وان رفض فإنّ رفضه يكون قرينة ضده مع ما توفر بالملف من ادلّة وحجج أخرى في إطار اجتهاد المحكمة . وختم محدثنا حول هذه النقطة قائلا إنّه يتّضح من كلّ ما تقدّم ان الفحوصات الطبية وان كانت من وسائل الاثبات الناجعة في إثبات الفعل المجرّم ونسبته للمتهم أو في إثبات عدم حصوله أو براءة المتهم منه تبقى فحوصات إراديّة لا تتمّ إلا بموافقة المعني بها، وان تعذّر اجراؤها فإنّ ذلك لا يعطّل القضاء ولا يمنع المحكمة من اعتماد حجج وقرائن اخرى لفصل القضيّة.

الحريّة غير خاضعة لانطباعية الباحث

من ناحية أخرى قال الأستاذ والقاضي مراد قميزة إن حرّية الاثبات تقتضي وقوع جريمة وتناسب وسيلة الإثبات مع تلك الجريمة وان للفحص الطبّي عامّة علاقة وطيدة بالحياة الخاصة للأفراد وأنّّه تشخيص لأجسادهم بما تحمله من أمراض وعيوب ودلائل على إدمان أو ميولات معينة وأنّه لذلك محميّ بواجب السرية المحمول على الطبيب، وان أيّ خرق لذلك الواجب مجرم وتقوم به المسؤولية الجزائيّة للطبيب متسائلا: إنّ كان هذا إجمالا حق كل مواطن في سريّة ملفاته الطبيّة فهل من الممكن لأعوان الضابطة العدلية اخضاع أفراد لفحص طبي لمجرد اشتباه في سلوكهم أو تصرفاتهم؟ الجواب هو قطعا لا، فالأصل في الانسان الحرية جسدا وفكرا وتعبيرا وضميرا وهذا مكفول بالدستور وبالمبادئ الكونية لحقوق الانسان، ولا يمكن ان تصبح الحرية خاضعة لمواقف انطباعية لمن بيده السلطة يقيّم سلوك هذا وتصرّف ذاك ويستنتج امكانيّة ارتكابهم أفعالا مجرّمة بالقانون ولا يجد له سبيلا لإثبات ذلك إلاّ بإخضاعهم لفحوصات طبيّة بحثا في اجسادهم عن أدلّة تؤيّد قناعاته واعتبار رفضهم من قبيل القرينة على ارتكاب الفعل المجرّم. وأضاف محدثنا أن من أمثلة ذلك ان يشتبه الباحث في سلوك احد بالأماكن العامة وبعد التحري معه والتأكّد من عدم وجود أي شيء مخالف للقانون يشك في استهلاكه مادة مخدّرة ويخضعه لتحليل سوائله البولية تثبتا من شكّه مع ما يترتب عن ذلك من مسّ بحريّة ذلك الشخص بوضعه قيد الاحتفاظ في انتظار ورود نتيجة التحليل أو رفضه الخضوع له، أو كأن يشتبه الباحث في امتهان فتاة للبغاء السرّي والمراودة فيخضعها لفحص عذريّة اثباتا لتعوّدها على ممارسة الجنس أو أن يشتبه في سلوك ذكر من خلال حركاته وإيماءاته فيخضعه لفحص شرجي اثباتا لإمكانية تعوّده على ممارسة اللواط السلبي وهذه الحالات ولئن كانت نادرة الحدوث فإنّها تحدث وممكنة الحدوث ومن واجب القضاء في هذه الحالة التصدي لهذه التجاوزات وارجاع الأمور الى نصابها حتى لا تصبح الحرية استثناء ويصبح مجرّد الاشتباه مبررا لتقييد حرّية الناس، ورفض الخضوع للفحص في هذه الحالات لا يمكن اعتباره قرينة على الادانة لأن الأصل في الانسان الاستقامة وسلامة النية الى ان يثبت خلاف ذلك والمشرّع عندما وضع القاعدة القانونيّة وضعها على أساس ان الحريّة والحرمة الجسديّة هما الأصل وكل استثناء يجب ان يكون بنصّ قانوني وليس باجتهاد قضائي أو أمني، ومثال ذلك في حالة اثبات السياقة تحت تأثير حالة كحوليّة وعند رفض المشتبه فيه الخضوع لتحليل الدم فإنّه يحاكم من اجل جريمة الامتناع عن الخضوع للتحليل وليس من اجل السياقة تحت تأثير حالة كحولية بقرينة الامتناع، أي هو يحاكم من اجل جريمة مستقلّة بذاتها سنّها المشرّع حرصا منه على التزام سائقي العربات بأحكام القوانين المنظمة للجولان حماية لمستعملي الطريق من اخطار الحوادث، وهي اشارة واضحة من المشرّع إلى انه من غير الجائز اعتماد الامتناع عن الخضوع للفحوص الطبيّة في حالات الاشتباه البسيطة كقرينة على الادانة ما لم ينص صراحة على تجريم ذلك الامتناع.

هذا في حالة الاشتباه القائم على انطباعات ذاتية للباحث وليس على فعل مادي ملموس نتجت عنه جريمة فكيف يكون الامر في حال ارتكاب جريمة؟ الأصل هو ان تكون وسيلة الاثبات متناسبة مع الجريمة المرتكبة أي هي موجهة لإثبات ارتكاب تلك الجريمة أو لفعل أدّى لارتكابها مجرّم هو بدوره، كأن يثبت في اطار البحث في جريمة تدليس شيك ان المتهم تولّى قبل ذلك سرقة ذلك الشيك فالسرقة فعل مجرّم بذاته لكنّه في الآن نفسه عنصر اثبات في جريمة التّدليس. وفي ما عدا ذلك فإنّه من غير الجائز تجاوز اطار البحث في جريمة معينة لتوجيه اتهامات لا علاقة لها بها وغير مبنيّة على أسس مادية ملموسة في ارتكاب جريمة أخرى بل على مجرّد الانطباع والاشتباه كأن يعمد الباحث في إطار البحث في قضية سرقة أو اعتداء بالعنف الشديد أو سكر واضح أو اعتداء على الأخلاق الحميدة إلى إجراء تحليل على السوائل البوليّة للمظنون فيه بحثا في مدى استهلاكه مادة مخدرة من عدمه، أو يتولّى عرض فتاة ضبطت بحالة سكر على فحص العذرية لإثبات تعودها على ممارسة الجنس ومن ثمة اتهامها بالمراودة وممارسة البغاء السري مع أن الفعل الوحيد الثابت بدلائل ماديّة ملموسة هو حالة السكر، أو كأن يتقدّم شخص بشكاية ضدّ أحدهم من أجل مضايقته تلميحا وتصريحا بطلب ممارسة اللواط معه فيقع عرض المظنون فيه على فحص شرجي لإثبات تعوده على ممارسة اللواط السلبي مع أن جريمة اللواط لم تقع مطلقا مع الشاكي وكل ما وقع هو تحرّش جنسي يشكّل جريمة في ذاته، وكان الاولى البحث عن ادلة الاثبات لتلك الجريمة وليس في جرائم افتراضية لا أدلة ماديّة على وقوعها ولا وجود لشريك فيها. ولو افترضنا ان المظنون فيه من ممارسي اللواط الايجابي فهل سيكون للفحص الشرجي فائدة في البحث وهل سيكون له تأثير سلبي على اثبات جريمة التحرش الجنسي؟ ثالثا: الحرمة الجسديّة تأتي قبل حرّية الاثبات في المادة الجزائيّة وعندما نتحدّث عن الحرمة الجسديّة فإنّه لا يجب ان نتوقّف على الفحوصات الطبيّة التي تجرى أثناء التعهد بأبحاث أو قضايا وإنما يتعلّق الأمر كذلك بالعنف والتعذيب وحتى الاحتفاظ والإيقاف عندما يكون عشوائيا ومزاجيا، فالمتهم ليس شاهدا ولا يؤدّي اليمين عند تلقّي أقواله وهو ليس مطالبا بقول الحقيقة ومن حقّه ان يكذب أو ان يصمت وعبء الاثبات يقع في مواجهته على كاهل النيابة العموميّة التي عليها جمع ما يمكن من الأدلة والقرائن عبر طرق متعددة ضبطها المشرّع كالتفتيش والحجز وسماع الشهود والاختبارات وغيرها. فإذا كان المتّهم حرّا في لسانه كذبا أو صمتا فهل يعقل ألاّ يكون حرّا في جسده فيخضع الى استنطاق صامت عبر أعضائه أو سوائله دون إرادته؟ الاختبارات الطبّية هي مسألة اراديّة سواء بالنسبة للمتهم أو للمتضرر ولا يستنتج من رفض الخضوع اليها قرينة على الادانة أو البراءة بل مجرّد عنصر مرجح للإدانة او البراءة بحسب ما توفر في ملف القضية من قرائن أو أدلّة أخرى واذا خلا ملف القضيّة من عناصر الاثبات الأخرى فإن رفض الخضوع للاختبار لا يمكن ان يصبّ إلا في براءة المتهم ذلك ان الرّفض لا يعني بالضرورة اخفاء المتهم ارتكاب للجرم المنسوب اليه بل قد يكون لإخفاء أشياء أخرى لها مساس بحياته الخاصة لا يريد كشفها أو لكونه يعتقد جازما انه ارتكب الجرم والحال ان ما ارتكبه يتنزّل في باب الجرائم المستحيلة كأن يستهلك مادة يعتقد انها مخدرة والحال انها ليست كذلك. ونخلص من كلّ ما تقدّم إلى ان الخضوع للاختبارات الطبيّة هو مسألة اختيارية للمتهم قبولها أو رفضها، فإن قبلها فعليه قبول نتائجها، وان رفضها فيظلّ بريئا حتى تثبت ادانته.

لكن ماذا حين يحكم المجتمع بالإدانة في انتظار البراءة؟ من يحمي الضحايا حين تفرض العائلات على فتاة أن تجتاز «امتحان الكشف عن العذرية» قسرا ورغما عنها باسم شرف العائلة؟ هل تساءل جمهور الحقوقيين والسياسيين عن مدى مواكبة العقلية السائدة للدستور ؟وهل اتت منابر الحريات اكلها ونحن أمام شهادات تعيدنا إلى الوراء؟

«مظلمة باسم شرف العائلة»

هكذا علّقت إحدى الفتيات من أرياف القيروان على مأساتها انطلقت لحظات بعد أن دقت طبول الفرح في حفل زفافها مشيرة إلى أنّ الإعلام السوداء رفعت لحظات بعد «الدخلة» عندما خرج العريس طالبا منها العودة إلى أهلها لأنّها لم «تتحصل على شهادة العفّة» وان الدماء لم تسل منها مشيرة إلى أنّه صاح وزمجر ثم اتصل بوالدها واعلمه أنّها «ليست بكرا» مضيفة أنّها بعد نقاش حاد عادت إلى بيت أهلها وسط صمت رهيب ونظرات من هنا وهناك وأن أمّها استنجدت بقابلة عربي لكن والدها أصرّ على رأي طبيب شرعي ليخرس الألسن إلى الأبد. وأضافت أنّ عجوزا حضرت لاستطلاع الأمر وأنّها بطريقة غليظة وبكلمات أمرّ من العلقم باشرت مهمتها لتقول أن «النظر خانها» وحال دون التثبت وأن يجب توجيه العروس إلى الطبيب قبل أن يسمع «الرجال وكبار العرش الأمر وتطير فيه الرقاب».وواصلت محدثتنا رواية قصتها قائلة إنّه حوالي الثالثة صباحا كانت السيارة رابضة أمام الحوش لتقّلها صحبة والدتها ووالدها وأخت العريس والقابلة العربي إلى المستشفى ليتم الفحص وكانت المفاجأة حيث وبعد إلحاح تمت معاينة الوضعية بصفة سريعة بعد أن وجهت لها بعض الاسئلة لتتحصل على تقرير زاد الطين بلة فقد كان غامضا أكدت من خلاله الطبيبة وقوع اتصال جنسي دون توضيحات أخرى وهي شهادة زادت في عناد العريس الذي اعتبرها دليل إدانة رغم تيقنه من وقوع علاقة حميمية بينهما الأمر الذي اضطرها للتوجه إلى وكيل الجمهورية من اجل الحصول على إذن لعرضها على الطبيب الشرعي بتونس الذي بعد أن قام بالفحوصات أكد أن غشاء بكارتها مطاطي لا يمكن بأي حال أن تقع عملية افتضاضه على الطريقة المتعارف بها إلا أن ذلك لم يقنع العريس الذي رفض الاقتناع بمدلول التقرير الطبي الذي قامت العائلة بعرضه على كل من هبّ ودبّ في «الدوار». وأضافت محدثتنا أن إشاعات انتشرت تؤكد أنها كانت على علم بنوعية بكارتها وأنّها قد تكون مارست الرذيلة وهي مطمئنة البال باعتبار أن ذلك لن ينكشف لينتهي بها الأمر إلى العزل واعتزال كل الدنيا وفي بطنها طفل رفض الزوج الاعتراف بنسبه وتنتظر خوض تجربة اثبات نسبه وقضية طلاق للضرر مع رصيد ثقيل من الآلام رغم تعاطف بعض أفراد عائلتها معها .

بحثا عن شرف غير مزيف

قصة فتاة أخرى قالت إنّ زوجها أصرّ على عقد قرانه قبل شهر من تاريخ الزواج على أن يتوجه رفقتها قبل «الدخول» إلى طبيب يختاره هو للتأكد أنها بكر حقيقة وليست بكرا «مزيفة» ـ خاصة مع ازدهار سوق ترقيع البكارة. وأمام رفضها القاطع الاستجابة لدعوته ويقينها أن شرف الفتاة أعمق من أن تثبته شهادة كشف العذرية مثلما لا يمكن للرجولة أن تثبتها «الفحولة» ورغم الدعم الكبير ومؤازرة الكافة له فقد تقدمت بقضية طلاق انشاء لاقتناعها بأن جوهر العلاقة الزوجية ثقة ورحمة بين الطرفين ولا تمنحها «آلة جنسية» إلا أن صدمتها كانت عنيفة عندما تشبثت والدتها ووالدها عندما أولت والدتها وكل المحيطين بها بأن رفضها يعتبر قرينة على أنها صاحبة سوابق في العلاقات الجنسية وطلبوا منها التوجه إلى الطبيب للجم الألسن والقيام بالفحص المذكور حتى تتمكن يوما ما من التزوّج مشيرة إلى أنها باتت بالرغم عنها ورغم أنفها وأنف ما تعلمته وما نهلته من معارف حول الحقوق والحريات مضطرة لذلك لرفع «وسواس البكارة» الذي كثيرا ما تسبّب في هدم أسر مستغربة من حصر «فحص العار» لدفع العار في المرأة وتجاهل منظومة كاملة من القيم الاخلاقية يقوم عليها الشرف ويتشارك فيها كل من الرجل والمرأة.

«فحص العذرية» هو قذف للمحصنات

هو فحص مخالف للشريعة الاسلامية فعدم نزول الدم لا يعتبر دليلا على نفي البكارة، وزوال البكارة من أصلها لا يعد برهانا على عدم عفة المرأة وطهارتها؛ بل اتهامها بنقيض ذلك من غير بينة قاطعة كأربعة شهود، كبيرة من أكبر الكبائر الموبقات. قال اللّه تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (الآية 4و5من سورة النور) .

وتؤكد أغلب المراجع الفقهية أن الإقدام على فحص العذرية لا يجوز، لما فيه من النظر إلى العورات من غير ضرورة، وهتك شنيع لأعراض المسلمين التي جاء الإسلام لصيانتها، وإن نتيجة هذه الفحوص لا ينبني عليها حكم شرعي من إثبات الزنا.

 

التونسية (تونس)

شاهد أيضاً

mohamed dorgham

أردوغان و الديمقراطية

تحاول تركيا الترويج لنفسها كونها دولة ديمقراطية حديثة و قوية تحترم الحقوق و الحريات و …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *