الرئيسية / رأي حرّ / سايكس بيكو و الربيع العربي: هل التاريخ يعيد نفسه؟

سايكس بيكو و الربيع العربي: هل التاريخ يعيد نفسه؟

مائة عام مضت على اتفاقية “سايكس بيكو” التي قسمت المشرق العربي إلى عدة دول كانت تتبع حينها الخلافة العثمانية. و نشأ عن هذه الاتفاقية دول ضعيفة و متناحرة فيما بينها نتيجة الخلافات المتعلقة أساسا بالحدود التي رسمها الغرب عمدا بطريقة فجرت  مشاكل لا متناهية و أزلية بين هاته الدول.

لكن المتأمل في الوضع القائم اليوم بعد ثورات الربيع العربي يلاحظ تشابها واضحا مع الأحداث التي شهدها العالم العربي قبل مائة سنة قد يصل أحيانا إلى حد التطابق خاصة على مستوى النتائج السياسية.

فكلاهما أدى  إلى إضعاف الدول العربية و إرهاق ميزانياتها بنفقات الحرب و التوقف عن مشاريع التنمية, إضافة إلى تغذية النزعات الانفصالية لدى شعوب كانت تعيش في استقرار كبير رغم اختلافاتها المذهبية و الطائفية  مما أدى في المحصلة إلى تقسيم هاته الدول الضعيفة أصلا إلى دويلات أخرى أشد ضعفا على نمط  ملوك الطوائف في الأندلس.

  فكأننا في الواقع أمام اتفاقية “سايكس بيكو” جديدة و لكنها غير معلنة مثلما كانت الاتفاقية الأولى كذلك في بدايتها سرية و غير معلنة قبل أن تكشف عنها روسيا لاحقا عند اندلاع ثورتها البولشيفية. مما يجعلنا نتساؤل بقوة : هل أن التاريخ يعيد نفسه؟ و هل تعيش المنطقة العربية نفس ما شهدته قبل مائة عام ؟ و هل أن الربيع العربي ما هو إلا اتفاقية “سايكس بيكو” جديدة؟

1. سايكس بيكو و بداية التقسيم:

“سايكس بيكو” و باختصار شديد هي عبارة عن اتفاقية سرية عقدتها كل من بريطانيا و فرنسا بواسطة وزيري خارجيتها “مارك سايكس” و “جورج بيكو” سنة 1916  تم على إثرها  تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى مناطق تابعة لكلى الدولتين حيث أصبحت بمقتضاها سوريا و لبنان تابعتين لفرنسا في حين كان العراق من نصيب بريطانيا في حين وضعت فلسطين تحت إشراف دولي.

لكن الأخطر من كل هذا كان ما سوف يأتي لاحقا, وهو ما يعبر عنه بالثورة العربية الكبرى التي اندلعت سنة 1916, حيث عمدت بريطانيا و لتفتيت القوة الباقية من الخلافة العثمانية و القضاء عليها نهائيا, إلى تشجيع العرب على الثورة على الحكم  العثماني مقابل وعدهم بمنحهم دولة مستقلة تمتد من بلاد الشام إلى كامل الجزيرة العربية  مستغلة بذلك العلاقة  المتوترة التي كانت تربط  العثمانيين بالعرب و رغبة هؤلاء المشروعة لنيل الحرية.

و لكي يكتمل المشهد و ينجح المشروع كان لا بد من وجود عراب لهاته الثورة يليق بها و تليق به, و لم يكن هناك انسب من الضابط الانكليزي “لورنس العرب” لهذه المهمة. فقد لعب هذا الأخير دورا مهما في تشجيع الشريف حسين على الثورة و على مده بالسلاح و الدعم اللازمين من بريطانيا, التي ما كانت لتدخر حتى طلقة رصاصة واحدة لتطلقها على نعش الخلافة العثمانية.

نجحت الثورة و هزمت جيوش العثمانيين و تحقق النصر للثوار العرب, لكن بريطانيا تنكرت في المقابل لوعودها و لم تمنح الشريف حسين حكم الجزيرة العربية بل نصبت آل سعود مكانه الذين كانوا خدام المرحلة القادمة بامتياز.

حاول الشريف حسين قلب الطاولة على حلفاء الأمس (بريطانيا العظمى) و لكنه فشل في ذلك في حين نجح أحد أولاده في حكم الأردن و الآخر في حكم العراق.

في المحصلة أدت هذه الاتفاقية إلى نشوء دول مثل سوريا و العراق و لبنان و فلسطين و الأردن و السعودية و انفصالها عن جسم الخلافة العثمانية. و لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافيا, حيث ظهرت الحاجة إلى مزيد تقسيم ما هو مقسم أصلا, وهو ما وجده الغرب في ثورات الربيع العربي.

2. الربيع العربي و استئناف التقسيم:

اندلعت الثورة في تونس و نجحت بفضل عدة عوامل في تغيير نظام الحكم. و رأى الغرب فيها فرصته التي يبحث عنها  لتحقيق مشروعه بتغيير الأنظمة العربية دون خوض حروب دموية تكون نتائجها مكلفة كما حدث في غزو أفغانستان و العراق.

قرر الغرب الذي زعم انه مبهور بالثورة التونسية, فيما كان إلى حدود وقت قريب يدعم “بن  علي” و يرسل إليه  بالقنابل المسيلة للدموع لفض المظاهرات, أن يستلهم النموذج التونسي و يسوقه إلى مختلف الدول العربية خاصة منها الجمهوريات و استثناء البلدان الملكية من ذلك مؤقتا, و ذلك لنشر الديمقراطية في هاته البلدان الغير مؤهلة بعد لذلك.

كانت الخطة تعتمد على التحكم في خيوط اللعبة من بعيد و إذكاء نار الحرب عن طريق القنوات التلفزية  و وسائل التواصل الاجتماعي و شراء ضمائر بعض المثقفين و الحقوقيين العرب, و بث الإشاعات و الفوضى, و التركيز المفرط على مساوئ الأنظمة, و تشجيع الناس على الثورة و التمرد و رفعه السلاح في وجه الدولة, مستغليين رغباتهم المشروعة لتحقيق الديمقراطية .

النتيجة هاته المرة كانت كارثية بأتم معنى الكلمة, حيث نجحت الثورات  في تغيير نظام الحكم و لكنها دخلت في المقابل في صراعات إيديولوجية و مذهبية و فتنة طائفية أحيانا لم نكن نسمع عنها في السابق و تكفل العرب بتدمير أنفسهم بأنفسهم.

الغرب الذي كان قارئا جيدا للتاريخ بل كان هو من يصنع تاريخنا, قرر و استلهاما لروح اتفاقية “سايكس بيكو” تعيين عراب جديد للثورات العربية هو “برنارد ليفي” اليهودي الذي تكفل بنشر رياح الحرية المسمومة و إغراق ليبيا و سوريا و اليمن في حمام من الدم.

دخلت جميع المنطقة العربية في حالة من عدم الاستقرار ابتداءا من مصر و ليبيا و سوريا و اليمن و لم تسلم حتى تونس من بعض موجات العنف و التطرف . و شجع الغرب هذا الوضع تحت ذريعة نشر الديمقراطية و تغيير الأنظمة الاستبدادية التي تعاني منها هاته الجمهوريات. في المقابل لا يتم مطلقا الحديث عن نشر الحرية في أنظمة ملكية لا يوجد بها برلمانات و لا يحلم مواطنوها حتى بالمشاركة في الانتخابات البلدية و تمنع فيها المرأة من قيادة السيارة .

شارك رجال الدين و شيوخ البلاط في الثورة في العالم العربي, و شجعوا بمساعيهم الحميدة على الخروج على الحاكم و عدم طاعة ولي الأمر و لم يشجعوا مطلقا على الثورة في بلدان عربية بها قواعد عسكرية أجنبية في شكل من أشكال الاحتلال المهين و العبودية الرخيصة. و أرسل هؤلاء الدعاة غربانهم إلى الدول العربية التي استقبلتهم استقبال الفاتحين و فتحت لهم منابرها لكي يدعو فيها آلاف الشباب التونسي و العربي إلى التوجه إلى محرقة سوريا للجهاد ضد بشار الطاغية و نسيان الجولان المحتل منذ أكثر من أربعين سنة.

حلت  بركة الربيع العربي الدول التي طالها, فتوقفت عجلة التنمية و ضرب اقتصادها و غرقت في فتن و نزاعات ستعرضها حتما للتقسيم و التناحر فيما بينها ربما لمائة سنة قادمة.

و من غرائب التاريخ أن روسيا اتخذت موقفا معاديا للربيع العربي مشابه للموقف الذي اتخذته قبل مائة عام من اتفاقية “سايكس بيكو”  التي ساهمت في كشف مخططها للعرب.

 و من غرائب التاريخ كذلك أن  الغرب بعد أن تخلى عن “الشريف حسين” و غدر به و منح الحكم لآل سعود, عاد الآن ليتخلى بدوره عن هؤلاء بعد نضوب المصلحة منهم و قضاء الوطر بهم, و استبدالهم بالحليف الجديد  المارد الإيراني الذي بدا الجميع يتسارع لنيل رضاه و بناء علاقات اقتصادية قوية معه.

إن المتأمل في كلى الحدثين المهمين الذين ميزا العالم العربي طيلة قرن من الزمان  سيخيل إليه و كأنه أمام فيلم سينمائي تم إخراجه و تصويره سنة 1916 بتقنية الأبيض و الأسود, قرر صناعه نظرا  للنجاح الكبير الذي حققه , إعادة إنتاجه بعد مائة سنة تقريبا (بالألوان الطبيعية و بتقنية HD  كرمى لعيون المشاهد العربي)  مع تعديلات طفيفة في السيناريو و الالتجاء إلى التقنيات الحديثة في التصوير و الاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي و القنوات الإخبارية حتى يتم توجيه الرأي العام و القيام بالدعاية اللازمة للفيلم و إلهاب روح الحماسة لدى الثورجيين الجدد.

في الأخير و بالنسبة إلى رأيي المتواضع الذي لا يلزم أحدا , فنحن أمام  عملية إعادة للتاريخ و إعادة لنفس  المؤامرة التي حيكت قبل مائة سنة لإغراق العالم العربي في الفوضى الخلاقة و تقسيمه إلى دويلات صغيرة  تكون اقرب منها للمدن منها للدويلات. فهل سيتوقف هذا المشروع عند هذا الحد مكتفيا بهذا القدر من الخراب الذي حققه؟ أم سيقع إرسال رياح التغيير و الديمقراطية للأنظمة الملكية حتى تتذوق بعضا من نفحات الحرية؟ لن تتأخر كثيرا الإجابة عن هذا السؤال, فالسيناريو جاهز للتنفيذ و ما هي إلا مسألة وقت.

محمد درغام

  حقوقي

شاهد أيضاً

أردوغان و الديمقراطية

تحاول تركيا الترويج لنفسها كونها دولة ديمقراطية حديثة و قوية تحترم الحقوق و الحريات و …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *