الرئيسية / رأي حرّ / أردوغان و الديمقراطية

أردوغان و الديمقراطية

تحاول تركيا الترويج لنفسها كونها دولة ديمقراطية حديثة و قوية تحترم الحقوق و الحريات و تنافس باقى دول العالم خاصة المتقدمة منها في حرية الصحافة و الإعلام. 

و قد ساعدت النجاحات الاقتصادية المهمة التي حققها حزب العدالة و التنمية الحاكم في تركيا على تكريس فكرة  نموذج الدولة المثال الذي تسعى تركيا إلى تصديره و تسويقه إلى مختلف الدول خاصة منها العربية.

و الملاحظ   أن تحمس البعض المتعصب  للنموذج التركي و دفاعهم المستميت عنه و اقتدائهم به في أدنى حركاته و سكناته, قد أدى بهم إلى المبالغة في سرد حسناته و ايجابياته إلى الحد الذي تحول فيه هذا الأمر إلى حالة من الشوق و الشغف  دفعت بعض الأحزاب المتكونة حديثا في الدول العربية إلى  التسابق نحو تسمية أحزابها باسم حزب العدالة و التنمية, بشكل مضحك, و كأن الأمر يتعلق بعلامة تجارية, أو  بفروع إقليمية لمنظمة واحدة تتبع المنظمة الأم, التي هي حزب العدالة و التنمية التركي.

هذه الفكرة البراقة التي يحملها البعض عن تركيا و يسعى إلى ترويجها, قد تتعارض في الواقع مع بعض المؤشرات السلبية التي بدأت تطفو على السطح و التي تجعل من فكرة الديمقراطية في تركيا موضع تساؤل حقيقي  خصوصا مع  الأزمات الأخيرة التي شهدتها البلاد و المرتبطة بحربها مع الأكراد و موقفها من الصراع في سوريا و أزمة اللاجئين, و كيفية تعاملها مع حرية الصحافة و التعبير, إضافة إلى الأزمة الأخيرة بين رأسي السلطة في تركيا و المتمثلة في الخلافات بين أردوغان و رئيس وزراءه  أحمد داود أوغلو.

1. التعامل مع حرية الصحافة و التعبير: 

قد يتفاجأ البعض حين يعلم أنه قد رفعت حوالى ألفي دعوى قضائية في تركيا ضد فنانين وصحافيين ومواطنين وجهوا انتقادات لسياسية أردوغان. فكل محاولة للتعرض للرئيس التركي بالنقد حتى لو كان عن طريق الغناء, قد ينجر عنها ردود فعل قوية للحكومة التركية. ففي الفترة الأخيرة استدعت الحكومة التركية السفير الألماني في أنقرة للتنديد بأغنية تسخر من الرئيس التركي قامت  ببثها قناة ألمانية.

كما قد نشبت في الفترة الأخيرة خلافات بين تركيا و ألمانيا بسبب قصيدة نظمها الشاعر الساخر “جان بوميرمان” ينتقد فيها أردوغان.

و لم يقتصر الأمر على القصائد و الغناء, بل إن مجرد تغريدة على تويتر يمكن أن تعرض صاحبها للاعتقال في حال أنها لم تعجب صناع القرار في تركيا ففي شهر أفريل الفائت أوقفت السلطات التركية صحفية هولندية تدعى ” اوبرو عمر” بعد اتهامها بتوجيه «إهانات» إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ونشرت “اوبرو عمر” في الفترة الأخيرة مقالاً وجهت فيه انتقادات حادة إلى أردوغان في صحيفة «مترو» الهولندية اليومية، ثم نشرت مقتطفات منه على شكل تغريدات.

و قد وصل الأمر بتركيا التي تدعي  أنها دولة ديمقراطية, أن ترسل قنصليتها في روتردام غرب هولندا, برسالة الكترونية إلى الأتراك المقيمين هناك تطلب منهم إبلاغها بالشتائم والإهانات التي ترد على شبكات التواصل الاجتماعي ضد الرئيس التركي, فيما يشبه مهزلة كوميدية بأتم معنى الكلمة , وهو ما كشفته هاته الصحفية الهولندية في مقالها.

و يبدو أن الرئيس التركي لديه حساسية من النقد عموما و من وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا إلى الحد الذي دفعه في فترة سابقة إلى حجب موقعي  “يوتيب” و ” تويتر” من شبكة الانترنت في تركيا, و هو ما لم يجرأ على فعله حتى  أعتى الدكتاتوريين في هذا العصر.

هذا و قد وجهت عديد من الدول انتقادات إلى تركيا تتهمها فيها بالتراجع عن حرية الصحافة كان أبرزها النقد الذي وجهه الرئيس الأمريكي أوباما مما زاد في إحراج أردوغان دوليا.

2. في التعامل مع الاحتجاجات السلمية: 

كلنا يتذكر مظاهرات ساحة التقسيم في تركيا التي اندلعت احتجاجا على تحويل ساحة ميدان “التقسيم” إلى مركز تجارى, و التعامل العنيف الذي تعاملت به قوات الأمن مع المتظاهرين مما أدى إلى ردود فعل دولية منددة, كان أطرفها موقف الرئيس السوري بشار الأسد الذي دعى بسخرية لاذعة الحكومة التركية إلى ضرورة تجنب الرد القاسي مع المحتجين السلميين.

و يبدو أن أردوغان الرحيم كل الرحمة مع المظاهرات الشعبية التي تشهدها بلدان مجاورة, يتحول إلى شخص آخر لا نعرفه حين يتعلق الأمر بمظاهرات في بلاده, و يصدمنا بوجه مخالف بعيد كل البعد عن الإنسانية في فض الاحتجاجات السلمية. و أحسن مثال على ذلك كان تعامله الأخير مع المظاهرات التي شهدتها تركيا بمناسبة الاحتفال بعيد العمال العالمي حيث تم اعتقال 206 شخص فضلا عن فض باقي المظاهرات السلمية باستعمال القوة المفرطة.

3. القطيعة مع أحمد داود أوغلو: 

لم يعد خافيا على أحد كون أردوغان لا يحبذ النظام البرلماني القائم في تركيا و يسعى جاهدا إلي استبداله بالنظام الرئاسي الذي يخول له سلطات واسعة في الحكم, و ذلك على عكس النظام الحالي الذي يجبره على تقاسم السلطة مع رئيس و زراؤه أوغلو. و هو ما أدى إلى انفجار أزمة عميقة بين الرجلين  انتهت  بدفع رئيس الوزراء إلى الاستقالة  عقابا له على خروجه على منهج الطاعة المرسوم له من أردوغان.

و رغم كون أوغلو هو من أقرب المقربين إلى أردوغان و صديقه الحميم  و مستشاره لمدة سنوات طويلة ثم رئيس وزراؤه, إلى أن الطبيعة السلطوية و المتحكمة لأردوغان و رغبته في عدم خروج الأمور من قبضته قد دفعه إلى التخلي عن رفيقه  أوغلو .

و الجدير بالذكر انه عند فوز حزب العدالة و التنمية بالانتخابات البرلمانية و تكليف أوغلو برئاسة الحكومة من طرف أردوغان فقد طلب منه هذا الأخير أن يكون رئيس وزراء حقيقي, مما يعني أن يتمتع بكل الصلاحيات التي يخولها له الدستور و أن لا يكون مجرد تابع لرئيس الجمهورية.

 لكن هذا الوعد سرعان ما تخلى عنه  أردوغان عند شروع أوغلو في تقاسم السلطة معه و قيامه بمهامه دون الرجوع إليه خاصة في مسالة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي في خصوص مشكلة اللاجئين, و كذلك في موقف أوغلو من حزب العمال الكردستاني و رغبته في استئناف المفاوضات معه الأمر الذي يرفضه أردوغان بشدة و سبب نقمته على رئيس وزراؤه.

و حيث  رأى أردوغان في تصرفات أوغلو تهميشا واضحا لسلطات رئيس الجمهورية, وهو ما لم يستسغه سيادته و قرر على إثره معاقبة صديقه القديم و إجباره على الاستقالة.

و الكل يرى أن الأمور تسير نحو تعيين رئيس وزراء جديد يكون تابعا أمينا لأردوغان و طوع بنان فخامته في كل ما يأمر به.

و يبدو كذلك أن الحلم القديم لأردوغان بتحويل تركيا إلى النظام الرئاسي و الذي فشل في تحقيقه في الانتخابات الماضية لعدم حصوله على الأغلبية التي تخول له تعديل الدستور, في سبيله إلى التحقق الآن, فأردوغان يسعى جاهدا إلى تنظيم استفتاء شعبي على دستور جديد يحول النظام رئاسيا بصلاحيات واسعة.

هذا و يرى بعض المتابعين للشأن التركي مثل الأستاذ ماجد البرهومي الحقوقي التونسي أن تركيا قد دخلت فعليا إلى النظام البرلماني و ذلك بعد استقالة داود أوغلو من رئاسة حزب العدالة و التنمية.

و يتبين في  الأخير أن النموذج التركي الذي يتشدق البعض بروعته و مثاليته كنموذج حكم, ليس في الواقع سوى نظام استبدادي حقق بعض المكاسب الاقتصادية التي لا يمكن إنكارها, و لكنه في المقابل يحاول استغلالها أبشع استغلال للبقاء في السلطة و  احتكار كل السلطات في قبضة الشخص الحاكم و رفض كل رأي مخالف آو انتقاد لسياسة الدولة حتى لو أدى ذلك إلى قمع حرية الصحافة و التعبير و عدم السماح بقيام أي شكل من أشكال الاحتجاجات السلمية. فهل أن النجاح الاقتصادي لنظام سياسي معين يعطي المبرر لكي يصمت الجميع, و التراجع عن الحقوق و الحريات الأساسية و الابتعاد عن المنهج الديمقراطي في الحكم؟ هذا ما ستبينه لنا الأيام القادمة في تركيا.

mohamed dorgham
محمد درغام   – حقوقي- 

 

 

شاهد أيضاً

سايكس بيكو و الربيع العربي: هل التاريخ يعيد نفسه؟

مائة عام مضت على اتفاقية “سايكس بيكو” التي قسمت المشرق العربي إلى عدة دول كانت …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *